عبد الوهاب الشعراني

98

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

92 - ومنهم الإمام مالك بن أنس رضي اللّه عنه : كان رضي اللّه عنه رجلا طويلا عظيم الهامة أصلع أبيض الرأس واللحية شديد البياض وكان لباسه الثياب العدنية الجياد ، وكان إذا أراد أن يجلس لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اغتسل وتبخر وتطيب ومنع الناس أن يرفعوا أصواتهم وكان إذا دخل بيته يكون شغله المصحف وتلاوة القرآن وكانت السلاطين تهابه وكان يكره حلق الشارب ويعيبه ويراه أنه من المثلة ، وكان يقول بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة عما يسأل عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وكان يقول مثل المنافقين في المسجد كمثل العصافير في القفص إذا فتح باب القفص طارت العصافير . ومكث رضي اللّه عنه خمسا وعشرين سنة لم يشهد الجماعة فقيل له ما يمنعك من الخروج ؟ فقال مخافة أن أرى منكرا أحتاج أن أغيره ، قلت : وإنما سومح في ذلك لأنه مجتهد ولو فعل ذلك غيره لا يقر على ذلك واللّه تعالى أعلم ، وكان يقول إذا مدح الرجل نفسه ذهب بهاؤه وكان رضي اللّه عنه إذا قال في المسألة لا أو نعم لا يقال له من أين قلت هذا . وأخذ رضي اللّه عنه العلم عن تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين وكان يقول ليس العلم بكثرة الرواية إنما هو نور يضعه اللّه تعالى في القلب وقيل له ما تقول في طلب العلم ؟ فقال حسن جميل ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسى فالزمه ، ولما ضربه جعفر بن سليمان في طلاق المكره وحمله على بعير قال له ناد على نفسك فقال رضي اللّه عنه ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس ، أقول طلاق المكره ليس بشيء فبلغ ذلك جعفر فقال أدركوه وأنزلوه . وكان يقول حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية وكان رضي اللّه عنه يقول لا ينبغي للعالم أن يتكلم بالعلم عند من لا يطيعه فإنه ذلك وإهانة للعلم وكان يمشي في أزقة المدينة حافيا ماشيا ويقول أنا أستحي من اللّه تعالى أن أطأ تربة فيها قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحافر دابة . وقال مالك رضي اللّه عنه لمطرف ما ذا يقول الناس في فقال أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع فقال ما زال الناس هكذا لهم عدو وصديق ، ولكن نعوذ باللّه من تتابع الألسنة